الشوكاني

389

فتح القدير

بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها ، وبه قال الربيع بن خثيم والكلبي ومقاتل والحسن والضحاك . وقيل أرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حتى امتلأت ، وقيل فجرت فصارت بحرا واحدا . وروى عن قتادة وابن حبان أن معنى الآية : يبست ولا يبقى فيها قطرة ، يقال سجرت الحوض أسجره سجرا : إذا ملأته . وقال القشيري : هو من سجرت التنور أسجره سجرا : إذا أحميته . قال ابن زيد وعطية وسفيان ووهب وغيرهم : أوقدت فصارت نارا ، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم ، من قولهم عين سجراء : أي حمراء . قرأ الجمهور " سجرت " بتشديد الجيم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيفها ( وإذا النفوس زوجت ) أي قرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة ، وقرن بين رجل السوء مع رجل السوء في النار . وقال عطاء : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين ، وقيل قرن كل شكل إلى شكله في العمل ، وهو راجع إلى القول الأول . وقيل قرن كل رجل إلى من كان يلازمه من ملك أو سلطان كما في قوله - احشروا الذين ظلموا وأزواجهم - وقال عكرمة ( وإذا النفوس زوجت ) يعنى قرنت الأرواح بالأجساد . وقال الحسن : ألحق كل امرئ بشيعته : اليهود باليهود ، والنصارى بالنصارى ، والمجوس بالمجوس ، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض والمنافقون بالمنافقين ، والمؤمنون بالمؤمنين . وقيل يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان ، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين . وقيل قرنت النفوس بأعمالها ( وإذا الموؤودة سئلت ) أي المدفونة حية ، وقد كان العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة ، يقال : وأد يائد وأدا فهو وائد ، والمفعول به مؤود ، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن ، فيطرح عليها التراب فيثقلها فتموت ، ومنه - ولا يئوده حفظهما - أي لا يثقله ، ومنه قول متمم بن نويرة : وموءودة مقبورة في مغارة ومنه قول الراجز : سميتها إذ ولدت تموت * والقبر صهر ضامن رميت قرأ الجمهور " الموؤودة " بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة . وقرأ البزي في رواية عنه بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة . وقرأ الأعمش " المودة " بزنة الموزة . وقرأ الجمهور " سئلت " مبنيا للمفعول ، وقرأ الحسن بكسر السين من سال يسيل . وقرأ الجمهور " قتلت " بالتخفيف مبنيا للمفعول ، وقرأ أبو جعفر بالتشديد على التكثير . وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس سألت مبنيا للفاعل " قتلت " بضم التاء الأخيرة . ومعنى سئلت على قراءة الجمهور : أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كان لا يستحق أن يخاطب ويسأل عن ذلك ، وفيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ له شديد . قال الحسن : أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب ، وفي مصحف أبي " وإذا الموؤودة سألت بأي ذنب قتلتني " ( وإذا الصحف نشرت ) يعنى صحائف الأعمال نشرت للحساب ، لأنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب ، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها ، فيقول - مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها - قرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو " نشرت " بالتخفيف . وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير ( وإذا السماء كشطت ) الكشط : قلع عن شدة التزاق ، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش ، والقشط بالقاف لغة في الكشط ، وهي قراءة ابن مسعود . قال الزجاج : قلعت كما يقلع السقف . وقال الفراء : نزعت فطويت . وقال مقاتل : كشفت عما فيها . قال الواحدي : ومعنى الكشط رفعك شيئا عن شئ قد غطاه ( وإذا الجحيم سعرت ) أي أوقدت لأعداء الله إيقادا شديدا . قرأ الجمهور " سعرت " بالتخفيف ، وقرأ نافع وابن ذكوان وحفص بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد مرة . قال قتادة : سعرها غضب الله وخطا يا بني آدم ( وإذا